محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

88

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

معنى الخلق ، قال اللّه تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ والرحمانية تعطي معنى الأمر . قال اللّه تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا . فلم ينكروا اسم اللّه ، إذ لم ينازعوه في الخلق ؛ وأنكروا اسم الرحمن إذ نازعوه في الأمر : أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا « 1 » وَزادَهُمْ نُفُوراً ؛ والرحيمية تعطي معنى الثواب . قال اللّه تعالى : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً . ثمّ الأوّل خلق وإبداع ، ثمّ تكليف وأمر ، ثمّ جزاء وثواب . كذلك الترتيب في الأسامي الثلاثة ، الأوّل : اللّه ، الثاني : الرحمن ، الثالث : الرحيم . وما لم تسبق النعمة لم يجب الشكر . فقدّم ذكر النعمة والرحمة ، وعقبها بالحمد والشكر ، وهو دليل على أنّ التسمية من السورة يقينا ولا يجوز الفصل بينهما أصلا . وسرّ آخر : « أنّ اللّه تعالى تجلّى لعباده بكتابه » 380 من كلمات الصادق جعفر بن محمّد - رضوان اللّه وسلامه عليهما - وكما تجلّى بكتابه تجلّى بأساميه العالية للمخصوصين من أوليائه ( 35 آ ) حتّى كانت الإلهية في التجلّي لواحد من أوليائه ، والرحمانية لواحد ، والرحيمية لواحد ؛ وقد يجتمع الثلاثة لواحد . وحيثما وجدت في القرآن لفظ الذي مقرونا باسم من الأسامي فهو للتعريف ، وكلّ تعريف فهو تعرّف إلى شيء ، وكلّ تعرّف فهو تجلّ له ، وقد يكون التجلّي عامّا ، وقد يكون خاصّا . قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، * تعرّف عامّ وقوله تعالى : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ تعرّف خاصّ . فحصل التجلّي بهذه الأسماء الثلاثة للعوالم الثلاثة حتّى وجدت وحصلت ، وللأشخاص الثلاثة من النبيّين والصدّيقين والشهداء حتّى قاموا بها واستقاموا عليها والتجأوا إليها . وأمّا نظم الكلمات والحروف من حيث اللفظ وترتيب بعضها على البعض ، وظاهر الإعجاز من وجه تناسب الصدور والأعجاز ، والحكمة في أعداد الكلمات لم كانت أربعة ؟ وأعداد الحروف لم كانت تسعة عشر ؟ فليس بعشّنا فلندرج ؛ 381 إذ هو من العلوم الخاصّة بالأنبياء والأولياء - عليهم السلام - ، لكنّا نعلم أنّا إذا نظرنا بإرشادهم إلى الآيات ؛ فرأينا نظمها

--> ( 1 ) . س : يأمرنا .